علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

9

الصداقة والصديق

ذكرهم » ، ولما مات « مات بموته عن الكتّاب الكرم والفضل » . وصفه أحد الأدباء فقال : « كان أبو محمد المهلّبي يناصف العشرة أوقات خلوته ، ويبسطنا في المزح إلى أبعد غاية فإذا جلس للعمل كان امرأ وقورا ، ومهيبا محذورا » . ولا ريب في أن طبيعة الحياة في ذلك الزمان كانت تدفع فئة من الأدباء وأهل الفكر إلى التماس العيش في ظلال الحكام والوقوف على أبوابهم راصدين الفرص للتسلل إلى الداخل حيث العيش الهنيء والحياة الرغيدة فيبقون ببقاء ذلك وينصرفون بعد زواله ، وليس من صورة أمتع من التي رسمها الثعالبي في ( يتيمة الدهر 2 / 309 ) عن نوع الحياة الاجتماعية واستمتاع أهل الأدب من قريب أو بعيد بعشرة الحكام وإسرافهم ومشاركتهم لهم في تبذلهم وسفههم ومجونهم قال » « . . كان في جملة القضاة الذين ينادمون الوزير المهلّبي ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطّراح الحشمة والتبسّط في القصف والخلاعة وهم ابن قريعة وابن معروف والقاضي التنوخي وغيرهم ، وما منهم إلّا أبيض اللحية ، طويلها ، وكذلك كان الوزير المهلّبي ، فإذا تكامل الأنس ، وطاب المجلس ، ولذّ السماع ، وأخذ الطرب منهم مأخذه وهبوا ثوب الوقار للعقار ، وتقلبوا في أعطاف العيش ، بين الخفّة والطّيش ، ووضع في يد كل منهم كأس ذهب من ألف مثقال إلى ما دونها مملوءا شرابا قطر بليا أو عكبريا ، فيغمس لحيته فيها بل ينقعها حتى تتشرّب أكثره ويرش بها بعضهم على بعض ، ويرقصون أجمعهم ، وعليهم المصبغات ومخانق البرم والمنثور . . . فإذا أصبحوا عادوا لعادتهم في التزمّت والتوقّر والتحفّظ بأبهة القضاة وحشمة المشايخ الكبراء » . تلك أمثلة عما وصل إليه الترف في قصور الحكام ، أما الشعب ومنهم الأدباء ممن لم تتح له فرص الفوز برضى عظيم أو عطف وزير خطير ،